السيد عبد الله الجزائري

154

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

من الشواغل كذلك الفقر قد يكون منها وانما الشاغل في الحقيقة حب الدنيا والمحب للشيء مشغول به سواء كان في فراقه أو وصاله وربما يكون الشغل في الفراق أكثر والشاغل عن اللَّه مذموم دون غير الشاغل عنه فقرا كان أو غنى فاذن لا يمكن الترجيح المطلق من حيث الشغل بل نقول الراجح لكل أحد ما لا يشغله عن اللَّه فإن كان الفقر يشغله فالغني أولى وان كان الغنى يشغله فالفقر أولى به لما عرفت ان الفضل انما هو في عدم تعلق القلب بالمال فان تساويا فيه تساوت درجاتهما الا ان هيهنا من مزال الاقدام ومواقع الغرور فإن الغني ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال ويكون حبه دفينا في باطنه وهو لا يشعر وانما يشعر به إذا فقده فليجرب نفسه وهذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء والأولياء وإذا كان ذلك محالا أو بعيدا فليطلق القول بان الفقر أصلح لكافة الخلق وأفضل لأنه أبعد عن الخطر بحسب الدنيا والدين اما الأول فلان الأغنياء محسودون مقصودون بالأذى بخلاف الفقراء واما الثاني فلان فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ومن ثم قالت الصحابة بلينا بفتنه الضراء فصبرنا وبلينا بفتنه السراء فلم نصبر وعن الانس بالدنيا وتأكد حبها في القلب المستلزم لطول الأمل وعن النبي صلى اللَّه عليه وآله أنه قال له رجل مالي لا أحب الموت فقال هل معك مال قال نعم يا رسول اللَّه قال قدم مالك إمامك فإن قلب المؤمن مع ماله ان قدمه أحب ان يلحقه وان خلفه أحب ان يتخلف معه . أو المراد الانس بالتنعم والألفة بالتوسع في المشتهيات ولو مباحة فإنه ينجر إلى اقتحام الشبهات إذا لم يمكن التوصل إليها بالمكاسب المباحة لتتسر له نعمته المأنوسة فتتكثر حاجاته إلى الناس وإلى المداهنة والمنافقة معهم ومنها تنشأ العداوة والبغضاء والحسد والغيبة وسائر المعاصي القلبية والجوارحية وعن القدرة على الشهرة ومن العصمة ان لا يقدر فان المريض الذي لا يجد شيئا اصبر منه على الحمية إذا وجد الأطعمة اللذيذة وعن طول الحساب في عرصات القيمة اللازم على الأغنياء وان أخذوه حلالا وصرفوه حلالا وقد ورد ان الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام فيأكلون ويشربون والناس يترددون في الحساب وعن الغرور وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل اليه الطبع وفي حديث أمير المؤمنين عليه السلام يا صفراء ويا بيضاء غري غيري لا حاجة لي فيك . وهو من شعب الانس بالدنيا أو هو هو فهذه كلها غوائل الغنى والسلامة عنها جميعا عسرة جدا الا للنفوس الكاملة الملكوتية وهم الأقل وخطاب الشرع انما هو مع الأكثر فمن ثم ورد في فضل الفقر وذم الغنى ما ورد ولا يعارض بكون الغنى من أخلاق اللّه كما يحكى عن ابن عطاء في ترجيحه ل ما